أبو علي سينا
159
القانون في الطب ( طبع بيروت )
فإنها إنما تنازع وتعاوق الوارد الحار بالمضادة فقط ولا تنازع الوارد البارد . والحرارة الغريزية هي التي تحمي الرطوبات الغريزية عن أن تستولي عليها الحرارة الغريبة ، فإن الحرارة الغريزية إذا كانت قوية تمكنت الطبيعة بتوسّطها من التصرّف في الرطوبات على سبيل النضج والهضم وحفظها على الصحة فتحرّكت الرطوبات على نهج تصريفها وامتنعت عن التحرك على نهج تصريف الحرارة الغريبة فلم يعفن . أما إن كانت هذه الحرارة ضعيفة خلت الطبيعة عن الرطوبات لضعف الآلة المتوسطة بينها وبين الرطوبات ، فوقفت وصادفتها الحرارة الغريبة غير مشغولة بتصريف فتمكنت منها واستولت عليها وحركتها حركة غريبة فحدثت العفونة ، فالحرارة الغريزية آلة للقوى كلها ، والبرودة منافية لها لا تنفع إلا بالعرض ، فلهذا يقال حرارة غريزية ، ولا يقال برودة غريزية ، ولا ينسب إلى البرودة من كدخدائية البدن ما ينسب إلى الحرارة . وأما السابع : فحال النوم واليقظة ، فإن اعتدالهما يدلّ على اعتدال المزاج لا سيما في الدماغ ، وزيادة النوم بالرطوبة والبرودة وزيادة اليقظة لليبس والحرارة خاصة في الدماغ . وأما الثامن : فهو الجنس المأخوذ من دلائل الأفعال ، فإن الأفعال إذا كانت مستمرة على المجرى الطبيعي تامة كاملة ، دلت على اعتدال المزاج ، وإن تغيرت عن جهتها إلى حركات مفرطة دلت على حرارة المزاج ، وكذلك إذا أسرعت فإنها تدل على الحرارة مثل سرعة النشو وسرعة نبات الشعر وسرعة نبات الأسنان ، وإن تبلدت أو ضعفت وتكاسلت وأبطأت ، دلت على برودة المزاج . على أن قد يكون ضعفها وتبلدها وفتورها واقعاً بسبب مزاج حار ، إلا أنه لا يخلو مع ذلك عن تغيير عن المجرى الطبيعي مع الضعف ، وقد يفوت بسبب الحرارة أيضاً كثيراً من الأفعال الطبيعية وينقص مثل النوم ، فربما بطل بسبب المزإج الحار أو نقص ، ولذلك قد يزداد بعض الأحوال الطبيعية للبرد مثل النوم ، إلا أنها لا تكون من جملة الأحوال الطبيعية مطلقاً بل بشرط وبسبب فان النوم ليس محتاجاً إليه في الحياة . والصحة حاجة مطلقة بل بسبب تخل من الروح عن الشواغل لما عرض له من التعب ، أو لما يحتاج إليه من الإكباب على هضم الغذاء لعجزه عن الوفاء بالأمرين . فإذن : النوم إنما يحتاج إليه من جهة عجز ما ، وهو خروج عن الواجب الطبيعي . وإن كان ذلك الخروج طبيعياً من حيث هو ضروري ، فإن الطبيعي يقال على الضرورة باشتراك الاسم . وهذا القسم أصح دلائله إنما هو على المزج المعتدل ، وذلك بأن تعتدل الأفعال وتتم . وأما دلالته على الحر والبرد واليبوسة والرطوبة فدلالة تخمينية . ومن جنس الأفعال القوية الدالة على الحرارة قوة الصوت وجهارته وسرعة الكلام واتصاله والغضب وسرعة الحركات والطرف وإن كان قد تقع هذه لا بسبب عام ، بل بسب خاص بعضو الفعل . والجنس التاسع : جنس دفع البدن للفضول وكيفية ما يدفع ، فإن الدفع إذا استمر وكان ما